محمد أبو زهرة

4019

زهرة التفاسير

بعد أن صور اللّه تعالى حال العصاة ، وشيخهم إبليس ليعلم المؤمنون مآل العصيان فيجتنبوا أسبابه في الدنيا ، بين سبحانه ما ينتظر المؤمنين تشجيعا لهم ليستمروا في طريقهم وهو طريق الحق ، فقال سبحانه : وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ . وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا البناء للمجهول ، ومن الذي أدخلهم ، أي ما الفاعل الذي لم يذكر وبنى للمجهول ، قالوا : إن الفاعل هم الملائكة ، وإن ذلك سائغ مستقيم ، ويصح أن تقول : إن اللّه سبحانه هو الذي أدخلهم ، ولكن لم يذكر لفظ الجلالة للإشارة إلى أن ذلك جزاء عملهم ، فالبناء للمجهول يؤدى إلى هذا المعنى وهو ترتيب الإدخال في الجنة على أعمالهم ، وقوله تعالى : بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ، أي برضاه وأمره ، وما رتبه من أن لكل نفس ما كسبت ، وقد ذكر سبب دخول الجنة في صلة الموصول : الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فسبب دخول الجنة أمران : الإيمان وهو بالحق وتصديقه والإذعان به ، والعمل الصالح ، وقال تعالى : وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، أي الأفعال الصالحة من أداء الفرائض ، والصح وصف عام لكل عمل هو نافع لذاته ، وقصد به وجه المنفعة للناس ، فالصاحات تشمل كل الفرائض الشرعية والعمل الطيب والقول الطيب . ولا نتعرض لكون العمل جزءا من الإيمان أولا ، إنما نقول : إن ما تنطق به الآية ومثيلاتها أن العمل جزء من استحقاق الثواب الذي أعد للمؤمنين . وقد وصف اللّه سبحانه وتعالى الجنة بأنها النعيم المقيم ، فالأنهار تجرى من تحتها ، أي أن الأنهار تجرى من تحت الأشجار ، فتجرى فيها متخللة أشجارها فيكون المنظر بهيجا ، وتكون متعة النفس بالظلال ، ومنظر الماء يجرى ، والخضرة التي تسر النفس ، وتمتع القلب . ويكون مع ذلك الأنس الروحي بالائتلاف والأمة والسلام ؛ ولذا قال تعالى : تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ يتبادلون التحية ، وليس تلاوما أو تأثيما ، كما يجرى بين أهل النار بين التابع والمتبوع والشيطان من ورائهم .